(نَشْأةُ عِلْمِ العِلَلِ ورِجَالُه)

800×600

Normal
0

21

false
false
false

FR
X-NONE
AR-SA

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name: »Tableau Normal »;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent: » »;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family: »Times New Roman », »serif »;}

(نَشْأةُ عِلْمِ العِلَلِ ورِجَالُه)

 ( المَدخَلُ إلى فَهْمِ عِلْمُ العِلَلِ )

الشَّيخِ الدُّكتُورِ حَاتِِمُ بْنُ عَارِِف العُونِيِّ

 

لمَّا كانَ هَذا العِلمُ مِن أدقِّ العُلُومِ وأَغْمَضِِها, وهُوَ الطَّريقُ الوَحيدُ لقَطْعِ القَوْلِ فِي صِحَّة الحَدِيثِ وضَعْفِهِ, حتًّى إنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ عِنْدَهم علمٌ فيه, فكان الصَّحَابَةُ يَردُّ بعضُهُم عَلَى بَعْضٍ, وكَانَ عِنْدَهُمْ نَقدٌ للمَتْنِ, ومَعْرِفةٌ بأَصْلِ هَذا العِلْمِ, وهَذا العِلمُ  » علمٌ فطريٌّ  » , بل هم أحرص الناس عليه لأنَّهمْ أصْحَاب العدالة مع توقّع وجودِ قلةِ ضَبْطٍ, فالتَّطْـبِيقُ كَانَ مُرَاعىً عِنْدَ الصَّحَابَةِ لكِنْ لمْ يَكنْ كِمِثْلِ مَن بَعْدِهِم ! , ولَكِن لم يكُنْ عندهُمْ أسبابُ وهمٍ كما قدْ وُجِدَتْ عِندَ مَنْ بَعْدِهمْ.

 ومِن أمثلةِ تعليلِ الصحابةِ للأحاديثِ :

(1) حديثُ عَمَر بنُ الخطَّابِ المَشهُورُ لما قال « كنت أنا ورجل من الأنصار نتناوب النزولَ على النبي » فجاء ذات مرّة الأنصاري لعمرَ وأخبره أنَّ النبيَّ طلَّق نساءه, فذهب عمرُ فدخلَ على حفصةَ وعاتبها, ثم دخل على النَّبي وهو في مشربةٍ له فأذن له, ثمَّ كلَّمهُ وكلَّمهُ وتبسَّم, فلمَّا رأى ذلكَ عُمَرُ سأل النبيّ هل طلَّقْتَ نسائك؟ فرفع النبيّ بصرَه فقال  » لا  » وكبّر عمر وأخبرَ النَّاس, فكانَ هذا منهجُهُ بعدَ وفاةِ النبيِّ –عليه السلام- حتى عُلم من منهج عمرَ التثبّت في النقل بل التشدّد فيه, حتى إن الحافظ الذهبيّ يقول في « تذكرة الحفّاظ »: وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل اهـ.

(2) ما حصل مع أبي موسى في حديث « الإستئذان » وهدّده بضربِهِ إن لم يأتِ بشَاهد يشهدُ عَلَى حَدِيثِهِ مع أنَّ عمر ولاّه, وهو من العلماء الكبار, ولكن اسْتَغْرَبَ عمرُ حديثاً لم يكن يعلمه وهو من الأمُورِ الواقعيّة العمليّة, ثم شهد معه أبو سعيد الخدري –وكانَ أصغرَ القومِ-.

 ولهذا كانَ مُعَاوية يخطب الناسُ عَلَى المِنْبَرِ يقول  » أيَّها النّاسُ لا تحدُّثوا إلاَّ بِحَدِيثٍ كَانَ يُذكَر في زمن عمر فإنه كان يخيف الناس بالله عزوجل » .

(3) الأحاديثُ التي انتقدتها عائشة كثيرة وألَّّفَ الزركشي « الإجَابةُ فيما استدركته عائشة على الصحابة » وكذلكَ  » ما ردَّته عائشة على الصحابة » لأبي منصورٍ البغدادي. وَمِنْهَا:

 

أ- قالَ ابنُ عُمَرَ « إن الميّت ليعذَّب ببعض بكاء أهله عليه » فلما سمعته عائشة قالت « أمَا إنَّه لم يكْذِب, إنما نَسيَ أو أخطأ » إنما مرّ النبي على يهوديّة يبكى عليها أهلها فقال « إن أهلها يبكون عليها, وإنَّها لتعذّب في قبرها » وجاءت رواية « قالت عائشة حسبكم القرآن {ألاَّ تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى}  » . فعائشة لم تنزِّل مِنِ ابْنِ عمر عَدَالَته, إنما خطّأته أو وَسَمَتهُ بالنسيان, ووضّحت عائشة أن الميّت الكافر ببكاء أهله يُعذَّب, وفيهُ : عرضُ عائشةَ -رضيَ الله عنها- على القرآنِ.

ب- حديث أبو هريرةَ « من تبع جنازةً فله قيراط من أجر » فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة, -يعني أَصْبَحْ يَرْوِي أحَادِيثَ لمْ نَسْمَعْ بِهَا- فأرْسَلَ إلَى عَائِشةَ يَسْأَلُهَا؟ فَصَدَّقت عائشةُ أبا هريرة, فقال ابن عمر معتذراً: يا أبا هُرَيْرَةَ أنتَ كنتَ ألْزَمَنا لرَسُولِ اللهِ وَأحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ. وقال: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرةٍ .

– فنجد أن ابن عمر اسْتَغْرَبَ الحَديثَ لتفرُّدِ أبي هريرة للحديث حتى أمن من عائشة تصديقه لحديث النبيّ, وهَذِهِ أَحَدُ مَلامِحِ تَعْلِيلاتِ المُتَقَدِّمِينَ .

ج-   ذُكر لعائشةَ قول ابن عمر « قول النبي » إنهم ليسمعون الآن ما أقول » فقالت عائشة إنَّمَا قال « إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق » ثمَّ قرأتْ {إنك لا تسمع الموتى وما أنتَ بسمع من في القبور} فلا شكّ أن عائشة هنا أخطأت, ولا يصحُّ نَقـدُ عَائِشَةَ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-, وهذا مَعَ أَنَّ العُلمَاءَ اخْتَلَفُوا كَثيراً في تأويلِ الأحَادِيثِ, فمنهم من جَمَعَ بَيْنَ الأَحَادِيثِ,وحملَ بعضُهُم الحديثَ عَلَى أَوْجُهٍ:

الأوَّلُ: المقصودُ « أنَّهُ يَحْزَنُ لبُكَائِهِمْ » كمَا أنَّ الإنسانَ يتألم إذا بلغه أنّه أهْلَهُ يَبكُونَ, والحزنُ والألم عذاب, وهو جمعُ شيخِ الإسلامِ ابنُ تيميةَ –رحمه الله- .

الثَّانِي: من حثُّهم على البكاءِ عليهِ, كما جاءَ في البيتِ الذي نُسبَ إلى لبيدِ بن ربيعةِ يخاطبُ بنتيْهِ:

إلَى الحَولِ ثمَّ اسْم السَّلامُ عَليكُمَا *** ومَن يبكِ حَولاً كَاملاً فقدِ اعتذر

 وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: معنى يسمعون: يعلمون, ومنهم مَنْ قَالَ: هو خاصٌّ بالنبي, وأنّ الأصل عدم السماع إلا ما اسْتُثْنِيَ وهو الراجح, وفي الحديث: عَرْض السنّة على القرآن.

د- حديث عائشة « أن رجلين دخلا عليها وأنَّ أبا هريرة يقول « إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار » فغضبت غضبا شديداً كَأنَّمَا شقَّتْ. وفي الصحيحينِ: قالتْ « بئسما قرنتمونا بالكلاب والحمير » إنما كان النبيّ يقول « كانَ أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والطير والدار » ثم قَرَأَتْ {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} والصَّحِيحُ مَا ثَبَتَ فِي حديث سعد بن أبي وقّاص مرفوعاً « لا هامِة ولا عدوى ولا طيرةَ وإن تكن ففي المَرْأةِ وَالفَرَسِ والدَّارِ » فبيّن النَّبي أنه ليس هناك شيءٌ يُجلب الشأم, وإن وجد ففي.., وبيَّن العلماء أن المرأة إن لم تكن صالحة لم تَجلب الخير ونكَّدتْ عَليهِ العيش, وهكذا الدارُ إن كانَ بيتُهُ ضيِّقاً والدابةُ إن كانتْ كثيرَ التعطُّل والحوادِثِ, وليسَ فيهِ تنقيصاً من المرأةِ بشيءٍ.

هـ- بَلَغَ ابنَ عبَّاس أنَّه رُفَعَ إلى النبيِّ « يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار » في روايةٍ: فقال ابن عبَّاسٍ {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصَّالح يرفعه} فأيُّ شيءٍ يقطعُ هذا ؟ ولكنَّه يُكرهُ. وفي الصحيحينِ قالتْ عائشةُ: « شبَّهْتُمُونَا بالحمر والكلاب », فذهب بَعْضُهُمْ أنّ القطع المقصود به قلَّةُ الأَجْر, وفي المسألة خلاف مشهور ليس هذا بيان ذكره. وأفضل ما تكلّم عن فقه هذا الحديث وحديث « السترة في الصلاة » من المتقدّمين « ابن جرير الطبري » (310هـ) في كتابِهِ « تهذيب الآثار » في مجلَّدِ « الجزء المفقود » فإنَّك تجدُ فيهِ تحريراً بالغاً.

و- حديثُ عمرة بنتِ عبد الرحمن أنَّ عائشةَ أخبِرتْ أنَّ أبا سعيدٍ الخدريِّ يقولُ: نهى رسولُ الله المرأة  َ أن تسافرَ إلى ومعها محرم. قال عمرة: فالتفتْ عَائِشَةُ إِلى بَعْضِ النِّسَاءِ وقالت: مَا كلُّهنَّ ذواتُ محرَمٍ. ففهم العلماء –كالبيهقي- أنها تريدُ أنْ تقولَ: هَذا غَيرُ صَحِيحٍ. وَأنَّ المرأةَ تسافرُ إنْ كَانَتْ مَعَ رُفْقةٍ آمِنةٍ مِن النِّساءْ, فهيَ إمَّا حكمَتْ بعدمِ صحَّةِ الحديثِ, وإما تأوَّلتْهُ إلى أنَّ النصَّ ليس تعبدياً, إنما هو غالبُ أحوال النساء أنَّهَا لَا تَكُونُ فِي مَأمَنٍ إلاَّ مَعَ ذُو مَحْرَمٍ. والمسألةُ خلافيَّةٌ عندَ العلماء: فيرى أحمد ومالك والشافعي وشيخ الإسلام ابن تيميةَ أنَّه يحلُّ لها السفرِ في حالِ عدمِ وُجُودِ ذو محرمٍ إنْ كانَ الحجُّ واجباً معَ وُجودِ رفقةٍ آمنةٍ من النِّسوةِ.

…إلى غيرِ ذَلكَ من الأمثلة الكثرة التي توضّح اهتمام الصحابة بالنَّقدِ الحَديثيِّ سَنَداً وَمَتناً, أمَّا سَنَداًً فكما حصل مع ابن عمر وأبي هريرة, وأما متناً فكما حَصَلَ مَعَ عمر –رَضيَ اللهُ عنهُ- والأنصاري, وغير ذلك مما تدلّ أن العلمَ لَيْسَ بِطَارِئٍ, إِنَّمَا نَشَأ مَعَ نُشُوءِ الرِّوَايَةِ, وتعلم أنَّ أهلَ الحَدِيثِ كَانَ عِنْدَهُمْ نَقديَّةً سَنديَّةً ومَتـنيَّةً, ثم تطوَّر علمُ العِلَلِ وأصبحَ يتصدّى له جَهَابذة كابن معينٍ والبخَارِي, ولا يلزمُ مِنْ هذا أنَّ نَقْدَ الصَّحَابَةِ كَانَ مُخْتلاً, لأنَّ امتدادَ العَصْرِ بعد عَصرُ الرِّوايةِ زَادَتْ أوجُهاً لمْ تَكُنْ مَوجُودةً فِي زَمَنِ الصَّحابةِ, وَهَذا أكبَرُ دليلٍ عَلَى إِتقانِ وضَبْطِ الصَّحابةِ, ولِهَذا يَجِبُ مَعرفةُ أنَّ أَسْبَابَ الخَطَأِ والوَهْمِ مِنْ الصَّحَابة يَختلفُ عَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُخطؤن مَنْ بعدَهم, فلا تقاس علة الصحابة على علة التابعين وأتباعهم.

فمن أخطاء التابعين ومن بعدهم لم تكن موجودة عند الصحابة:   

1- التَّصْحِيفُ, وهو الأخذ من كتاب مصحّفٍ عن الصحيح والتي فيها أخطاء .

2- الاخْتِلاطُ, من الراوي الحديث الذي سمعه من ثقة بالحديث الذي سمعه من ضعيف.

3- التَّدلِيسُ, وهو ضعيف لأنه قد يكون السَّاقط ضعيفاً أو كذّاباً.

4- قَلْبُ الرَّاوِي, فيقرأ أو يكتب فينزل في الإسناد, ويجعل متن إسنادٍ لإسناد.

* وغيرها من أنواع الضعيف مِمَّا لا يُوجَدُ في عَصْرِ الصَّحَابَةِ كَـ (الانقطاع, الإعضال, الإرسال, الفسق والكذب, وأنواع الضعيف

(تكميل) أمَّا العِلَلُ بِالمَنْهَجِ المَعْرُوفِ كَانَ نَشأتُهُ فِي البَصرة, وأوّل من شَرَعَ في العلل شيخ التابعين (محمد بن سيرين) (110هـ) ثم تلقّاه منه (أيوب السختياني) و (عبد الله بن عون) ثم أخذ عنهما هذا المنهج (شعبة بن الحجاج) فوسَّعه وعمَّقه وأكثرَ مِنَ الكَلامِ فِيه حتى عُرف به, )

فمنهجُ التعليلِ بعدَ ذلكَ أصبحتْ ملامحُهُ واضحةٌ من أتباعِ التَّابعينَ ومن بعدَهُم. وبالذات على إِمَامِ الِعلَلِ ورأسِ مدارس العلل (شعبةُ بن الحجّاج), ثم أَخَذَه مِنْهُ (يحيى بن سعيد القطّان) –وهو أوّل عَالِمٍ دُوِّّن كلامُه فِي عِلَلِ الحَدِيثِ والرِّجِالُ ومن دوَّنَ عنه ثلاثةٌ: « عليّ بن المديني » و » الفلَّاس » و »محمد بن المثنّى »- والإمام (عبد الرحمن بن مهدي) ثم أخذ عنهما (يحيى بن معين) و (أحمد بن حنبل) ثم البخاري إلى آخره ممن صنَّفوا فِي العِلَلِ أَوْ كُتِبَ عنهُمْ فَنَقْتِصِرُ عَليهِم .

وأعلى رجالُ هذه الطبقة الثانية: البخاريّ (256هـ), مسلمٌ (261هـ), أبو حاتمٍ الرازي (277هـ), أبو زرعةَ الرازي (280هـ), الدارميُّ (280هـ), وحكى الترمذيُّ أنَّ أوْلَى مَن يُسألونَ عنِ العِلَلِ ثَلاثَةٌ : محمَّدُ بن إسْمَاعِيل البُخاريُّ, أبو زُرعةَ, الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ .

ثم الطَّبقَةُ الثَّالِثَةُ: أبو داود (275هـ), الترمذي (279هـ) , البزّار(292هـ), يعقوب بن شيبة (262هـ).

ثم الطَّبقةُ الرَّابعَةُ:  أحمد بن شعيب النسائي (303هـ), الفضل بن عمار الشهيد صاحب « علل مسلم » (317هـ), ابن خزيمة (311هـ) فقد حكى في صحيحه عللاً كثيرا على أحاديث, العقيلي (320هـ) صاحب « الضعفاء » , ابن أبي حاتم (327هـ) .

ثم الطَّبَقةُ الخَامِسَةُ: ابن حبّان (354هـ), ابن عديّ (365هـ), الدار قطني (385هـ) –وكِتَابُهُ فِي العِلَلِ مِنْ أَجَلِّ الكُتُبِ فِي العِلل- وقال الذهبي (748هـ) عنه: وبه خُتم معرفة علم العلل .

ثم الطَّبقَةُ السَّادسَةُ : الحاكم (405هـ), ومن ثمّ استفاد العلماء من بعدهم من كَلامِ الأَئِمَةِ النُّقَّادِ فاهْتَمُّوا بها كَثيراً وأتقنوها حتى يَحكُمُوا عَلَى صِحَّةِ الحَدِيثِ وضَعْفِهِ.

قال الإمامُ جِهْبَذُ السَّلَفِ ابنُ رَجَبٍ فِي « شَرْحِ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ » :وابن سيرين رضي الله عنه هو أول من انتقد الرجال وميز الثقات من غيرهم ، وقد روي عنه من غير وجه أنه قال : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وفي رواية عنه أنه قال : إن هذا الحديث دين فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه.

قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم ؟ فقال برأسه ، أي : لا .

قال يعقوب: وسمعت علي بن المديني يقول: كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد لا نعلم أحداً أول منه ،محمد بن سيرين ، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن . قلت لعلي: فمالك بن أنس ؟ فقال أخبرني سفيان بن عيينة قال : (ما كان أشدَّ انتقاء مالك الرجال) انتهى.

* والانْتِقَاءُ لَيْسَ لَهُ عَلاقَةٌ فِي العِلَلِ, إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ « الجَـرْحِ والتَّعْـدِيلِ », فلم يَجْعل مالكاًَ يُداهِنُهُم لا فِي العِلَلِ ولَا فِي الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ.

* وَمِمَّا جَاءَ فِي فَضْلِ شُعْبَةَ: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: كان شعبةُ أمَّةً وَحْدُهُ فِي هَذا الشَّأنِ قال عبد الله: يَعني في الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيه للرجال . قال الشَّافعيُّ: لولاَ شعبةُ ما عُرِفَ الحَديثِ بالعراق. قال ابن حبًّان:وهو أول من فتش بالعراق عن أمرِ المُحَدِّثينَ وجَانَبَ الضعفاء والمتروكين حتى صار عَلَماً يُقْتَدَى به ثمَّ تَبِعَهُ عَليه بعده أهل العراق. قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لابن المبارك : أهل الكوفة ليس يبصرون الحديث. فقال : كيف ! ثم لقيته بعد ذلك. فقال لي: وجدت الأمر على ما قلت.قال الخطيب:ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل قليلة السلامة من العلل.اه فما سبقَ واضحٌ الثناء الكبير لأهل البصرة, خلافا لأهل الكوفة لأن الفرقَ فيهم كثر وتسبّبَ في ذلك كثرة التدليس والأوهام حتى قال ابن مهدي: حديث أهل الكوفةِ مدخول. وقال ابن المبارك: ما رجت إلى الشامِ إلا لأستغنيَ من حديثِ أهل الكوفة.اهـ؟ مع أنَّ في حديثِ أهل الشَّام قليلة الاتصال واهتِمامُهم على أحاديث الترغيب.

وأمًّا رويَ عَنِ ابن مهدي أنَّه سٌئلَ عَنْ أهلِ الحِجاز فأرْتَبهم ثم أهلُ البَصرة ثمَّ أهل الكوفة فلمَّا سئل عن حديث أهل الشام فنفض ثوبه فهذه روايةٌ لا تصحّ وفيه راوٍ كذّاب وهو « أبُو سَعِيدٍ العَدَوِي » .

 

* السَّبَبُ فِي انْتِشَارِ هَذا العِلْمِ فِي البَصْرَةِ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ غيره كَالمَدينَةِ مَعَ أَنَّهَا أَنْقَى حَدِيثاً ؟

(1) كَثْرَةُ الرِّوايةِ فِي البَصْرةِ والأَخْطَاءِ وَالأوْهَامِ, فَجَاءَ مِن ذلكَ تَقعِيداً وتأصيلاً لِعِلْمِ العِلَلِ, وهذا لا يَطْعنُ فِي حديثِ أهل المدينة بل هو مدحٌ لَهُمْ, حَيْثُ إنَّ حَدِيثهُمْ كَانَ نقيّاً, وذَلكَ أنَّ التدليسَ عِنْدَهُمْ قَلِيلٌ جدّاً, بَلْ غَالِبُ المُدلِّسِينَ الكُوفيُّون ثمَّ البَصريُّون.

(إِشْكَالٌ) لِمَ لمْ يُقلْ بأن العلمَ انتشرَ من عندِ الكوفيِّينَ مَعَ قولِنا بأنّ الخطأَ فيه أكثر ؟

 أجيبَ: أنَّ أحاديثَ البَصْرةِ أَكثُر مِن أحَادِيثِ أَهْلِ الكُوفَةِ, ومِنْ ثَمَّ كَثُرَتْ الرِّوَايَاتُ والطُّرقِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ, فَحِينئذٍ يَتَسنَّى لَهُم تَحْقِيقَ الحَدِيثِ وتَنْقِيحهُ فَيسْهُلُ النَّقْدُ, بخلافِ مَا إذِا كَانَتِ الأَحَادِيْث قَلِيلِة عَنْ أهلِ الكوفة فسيصْعُبُ تَنْقِيحهُ مِنَ العِلَلِ.

(2) وُجُودُ النقَّادِ الحُفًّاظِ فِي أَهْلِ البَصْرَةِ, فَمَثَلاً: أبو حَنِيفةَ يردُّ الحَدِيثَ الَّذي يُخَالِفُ الأُصولَ! وهُوَ مَنْهَجٌ سَائدٌ عِنْدَ أهْلِ الكوفةِ, وأوَّل من ابتدأه « إبراهيم بن يزيدَ النَّخَعِي » ثمَّ انْتَشَرَ عِنْدَ بقيَّةِ التَّلامِيذِ –رحمهم الله- .

 

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s


%d blogueurs aiment cette page :